جلال الدين السيوطي
540
شرح شواهد المغني
جئتك خاطبا ابنتك لقيس بن ذريح . فقال : يا ابن رسول اللّه ، ما كنّا لنعصي لك أمرا وما بنا عن الفتى رغبة ، ولكن أحبّ الأمرين إلينا أن يخطبها أبوه علينا وان يكون ذلك عن أمره ، فإنّا نخاف ان لم يسع أبوه في هذا ان يكون عارا وسبّة علينا . فأتى الحسين رضي اللّه عنه ذريحا وقومه وهم مجتمعون ، فقاموا إليه إعظاما له ، فقال لذريح : أقسمت عليك إلا خطبت لبنى على قيس . قال : السمع والطاعة لأمرك ، فخرج معه في وجوه قومه حتى أتوا حيّ لبنى فخطبها ذريح على ابنه إلى أبيها . فأقام معها مدّة ، وكان أبرّ الناس بأمه ، فألهته لبنى وعكوفه عليها عن بعض ذلك ، فوجدت أمّه في نفسها وقالت : شغلت هذه المرأة ابني عن برّي ، ولم تر للكلام في ذلك موضعا حتى مرض قيس مرضا شديدا . فلما برأ قالت أمه لأبيه : لقد خشيت أن يموت قيس ولم يدرك خلفا وقد حرم الولد من هذه المرأة ، وأنت ذو مال فيصير مالك إلى الكلالة ، فزوجّه بغيرها لعل اللّه أن يرزقه ولدا ، وألحّت عليه في ذلك . فعرض ذلك ذريح على قيس فقال : لست متزوّجا غيرها أبدا . قال : فتسرّ بالإماء ، فقال : ولا أسوؤها بشيء أبدا . قال : فإني أفسم عليك الا طلقتها ! فأبى ، وقال : الموت عندي أسهل من ذلك . قال : لا أرضى أو تطلقها . وحلف انه لا يكنه سقف أبدا حتى يطلق لبنى . فكان يخرج فيقف في حرّ الشمس فيجيء قيس فيقف إلى جانبه فيظله بردائه ويصلي هو بحرّ الشمس حتى يفي الفيء فينصرف عنه ويدخل إلى لبنى فيعانقها ويبكي وتبكي معه . وتقول له : قيس ، لا تطع أباك فتهلك وتهلكني . فقال : ما كنت لأطيع فيك أحدا أبدا . فيقال : إنه مكث كذلك سنة ثم طلقها ، فلما بانت لم يلبث حتى استطير عقله وذهب لبه ، ولحقه مثل الجنون ، وأسف وجعل يبكي ، فلما انقضت عدّتها ، رحلها قومها فسقط مغشيا لا يعقل ثم أفاق ولم يأخذه بعدها قرار . وأخرج أيضا عن عمرو بن دينار قال : قال الحسن رضي اللّه عنه لذريح أبى قيس : أحل لك أن فرّقت بين قيس ولبنى ؟ أما سمعت عمر بن الخطاب يقول : ما أبالي أفرقت بين الرجل وامرأته أم مشيت إليهما بالسيف . وروى أيضا : أن الطبيب قال له : إنما يسليك عنها أن تذكر مساويها ومعائبها وما تعافه العين منها من أقذار بني آدم ، فإن